الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

70

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَيَقْدِرُ ضد يَبْسُطُ . وقد تقدم عند قوله تعالى : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ في سورة الرعد [ 26 ] . وجملة إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً تعليل لجملة إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ إلى آخرها ، أي هو يفعل ذلك لأنه عليم بأحوال عباده وما يليق بكل منهم بحسب ما جبلت عليه نفوسهم ، وما يحف بهم من أحوال النظم العالمية التي اقتضتها الحكمة الإلهية المودعة في هذا العالم . والخبير : العالم بالأخبار . والبصير : العالم بالمبصرات . وهذان الاسمان الجليلان يرجعان إلى معنى بعض تعلق العلم الإلهي . [ 31 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 31 ] وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً ( 31 ) عطف جملة حكم على جملة حكم للنهي عن فعل ينشأ عن اليأس من رزق اللّه . وهذه الوصية السابعة من الأحكام المذكورة في آية وَقَضى رَبُّكَ الآية [ الإسراء : 23 ] . وغيّر أسلوب الإضمار من الإفراد إلى الجمع لأن المنهي عنه هنا من أحوال الجاهلية زجرا لهم عن هذه الخطيئة الذميمة ، وتقدم الكلام على نظير هذه الآية في سورة الأنعام ؛ ولكن بين الآيتين فرقا في النظم من وجهين : الأول : أنه قيل هنا خَشْيَةَ إِمْلاقٍ وقيل في آية الأنعام مِنْ إِمْلاقٍ [ الأنعام : 151 ] . ويقتضي ذلك أن الذين كانوا يئدون بناتهم يئدونهن لغرضين : إما لأنهم فقراء لا يستطيعون إنفاق البنت ولا يرجون منها إن كبرت إعانة على الكسب فهم يئدونها لذلك ، فذلك مورد قوله في الأنعام مِنْ إِمْلاقٍ ، فإن ( من ) التعليلية تقتضي أن الإملاق سبب قتلهن فيقتضي أن الإملاق موجود حين القتل . وإما أن يكون الحامل على ذلك ليس فقر الأب ولكن خشية عروض الفقر له أو عروض الفقر للبنت بموت أبيها ، إذ كانوا في جاهليتهم لا يورثون البنات ، فيكون الدافع للوأد هو توقع الإملاق ، كما قال إسحاق بن خلف ، شاعر إسلامي قديم : إذا تذكرت بنتي حين تندبني * فاضت لعبرة بنتي عبرتي بدم أحاذر الفقر يوما أن يلم بها * فيهتك الستر عن لحم على وضم